وصفة الحداد قتلت النجار

مؤلف :

أحمد عدنان نعمة

ناشر

موقع نعمة للنجاح المالي

أخذت الاستشارة من أهل الاختصاص، وطبقتها حرفياً... وانتهى بي المطاف بالخسارة... لماذا؟

وصفةالحداد قتلت النجار

 

يحكى أن طبيباً عاين حداداً وشخّص له مرض التيفوئيد، وأخبره بضرورة التزام حمية قاسية يبتعد فيها عن كل أنواع الطعام الدسم والحلويات... وبعد يومين، التقى الطبيب صدفةً بالحداد، ووجده بأحسن حال،فسأله ماذا فعلت؟ فأجاب: عدت إلى البيت بعد زيارتك وإذ بزوجتي دعت أهلها إلى الغداء، وكان على المائدة ما لذ وطاب من المحاشي والكباب ... فسأله الطبيب وماذافعلت؟ قال: أكلت حتى أتخمت وهأنذا أمامك كما ترى...

استغرب الطبيب من قصة الحداد، وكيف أنه خالف الأعراف الطبية ومع ذلك شفي من المرض.

بعد بضعة أيام، جاء نجارٌ إلى هذاالطبيب بنفس أعراض الحداد ومرضه، لكن هذه المرة، وصف له الطبيب وصفةً مغايرة، إذأخبره بأن يطلب من زوجته أن تدعو أهلها يوم الغد إلى الغداء، وأن تعدّ المحاشي والكباب وكل ما دسم من الطعام، وفعلاً فعل النجار ما طلب منه الطبيب، وبعد يومين وبينما كان الطبيب يمشي في الشارع إذ وجد نعوة النجار منشورةً على الجدران.

هذه القصة الرمزية (ليست حقيقية) تُعلِّمُنا على بساطتها أن مُرورك بتجربة ما ونجاحك أو فشلك فيها لا يعني على الإطلاق أن كل من سيمر فيها ويتبع خطاك سينتهي به المآل إلى ما انتهيت إليه، حتى لو طبقها بحذافيرها.

ينطبق هذا الكلام على جوانب كثيرة في حياتنا، بما فيها حياة العمل، وهذا ما سنتكلم به في هذا المقال. لكن بعد أن أطرح عليك السؤال (المثال) التالي:

ماذا ستفعل إذا وجدت في نفسك رغبةً بأن تذهب لأداء العمرة التي لم يسبق لك أن أديتها؟

إذا قمت بحجز بطاقة طائرة دون السؤال فربما قد تضيع أموالك هدراً، لأنه وببساطة قد لا تكون العمرة مسموحة خلال الفترةالتي حجزت بها.

أما إذا استعنت بأشخاصٍ ذهبوا للعمرة مؤخراً، فغالباً سيختصرون عليك الكثير من الخطوات التي ليست ضرورية.

لكنّ الحل الأفضل يتمثل غالباً بطلب الخدمة من مكتب سفريات العمرة، فهو صاحب الدراية بالتفاصيل التي تحتاجها، حتى لوأخذ منك مقابلاً لقاء خدماته التي قدمها لك، لكنك في نهاية المطاف إذا ما قارنت ماحصل عليه وما كنت ستدفعه لو أنك سافرت لوحدك ستجد نفسك أنك وفرت الكثير، أي أن العلاقة بينكما كانت علاقة فائدة للطرفين.

أما الخيار الأمثل فيتمثل في سؤالك لأكثر من مكتب عن خدماتهم وأسعارهم، وسؤال من حصل على خدماتهم سابقاً عن جودتها، ثم اختيار أحد هذه المكاتب.

إذاً – وبعد العودة لمجال الأعمال - قد تواجهك معضلةٌ ما، وتستشير أهل التجربة بها، ليخبروك بما فعلوه لتجاوزها، فتلتزم بما أخبروك به، ومع ذلك قد لا تصل للنتيجة التي توقعتها.

يعود سبب ذلك أن التفاصيل التي مررت بها أنت مختلفة عن التفاصيل التي مرّ بها أهل التجربة الذين قمت باستشارتهم (الصورة الكلية)، البيئة قد تكون قد اختلفت، القوانين، العادات، طبيعة الزبائن المستهدفين، طبيعة المنتج (ضروري أم كمالي)، فهؤلاء المستشارين الذين اخترتهم نقلوا لك تجربتهم المجردة عن التفاصيل.

فعلى سبيل المثال، إن سألت رائد أعمال عن سبب نجاحه خلال النصف الأول من عام 2019 – قبل جائحة كورونا – وطبقت ما سمعت منه بعدها، فسيؤول بك الحال في غالب الأحيان إلى إفشال مشروعك، فكثير من الأوضاع انقلبت رأساً على عقب بعد الجائحة. هذا مثال واضح ولا يحتاج للتفصيل والبرهنة، لكنّ المشكلة تكمن في الأمثلة التي لا يوجد فيها ظاهرياً تغييرٌ كبيرٌ في البيئة، ولاالمنافسة، ولا المنتج أو الفكرة، أحياناً الاختلاف بين حالتك وحالة من استشرته يقتصر مثلاً على اختلاف مكان البيع (بين شارع رئيسي وشارع فرعي)، طريقة عرض أو تغليف المنتج، ثقافة المجتمع (التي قد تختلف جذرياً بين المدينة والريف بنفس البلد أو بين منطقةوأخرى بنفس المدينة)، المنتج قد يكون نفسه كمالي بالنسبة لزبائنك وضروري بالنسبة لزبائن من استشرته (نفس المنتج)...

هل هذا يعني أنه علينا ألا نستمع لتجارب غيرنا والاستفادة منها وتطبيقها؟

على الإطلاق، بالعكس تماماً، رائدالأعمال الذكي هو من يتعلم من ملاحظات وأفكار وتجارب وأخطاء ونجاحات  من سبقوه في رحلته التي يخطط لها، لكنه دائماً يترك مجالاً لتصنيف هذه التجارب والملاحظات إلى

1) ما هو مفيد له وعليه الاستماع إليه وتنفيذه و

2) ما هو غير مفيد لحالته. 

وعليه أن يحاول الغوص في خفايا الحالة وليس التعامل مع ما ظهر منها فقط. وأنا شخصياً أتعرض لكثير من الأسئلة العامة وطلب نصائح بخصوص أفكار ومشاريع ناشئة واستثمارات وأعتذر عن الإجابة عليها بدون معرفة تفاصيل محددة مرتبطة بالشخص السائل، وبالفئة المستهدفة، والمنتج ... فالنصيحة التي أعطيها للحداد قد تقتل النجار، وقد تجدني أحياناً أعطي نصائح أو إجابات متناقضةحول نفس الموضوع أو لنفس السؤال، فشخص يسألني مثلاً عن الاستثمار العقاري فلاأنصحه به، وآخر أنصحه به بشدة، وهذا قد يعتمد على دراستي للشخصية السائلة من وجهة مالية ومعرفة ميوله وطباعه ومهاراته والخيارات المتاحة أمامه...

يشرح لنا ما سبق أهمية دور "المنظّرين"،وإن كانت هذه الكلمة غالباً ما تستعمل بشكل سلبي في مجتمعنا، لتشير إلى أولئك الذين لا يعرفون الواقع ويعطون النصائح العامّة والسطحية "النظرية"، لكن بالحقيقة، المنظّر المحترف هو الذي يعرف كيف يحوّل ما عاشه واطّلع عليه من تجارب عملية تطبيقية إلى نصائح وقواعد عامة يستفيد منها الأغلبية، ويترك لمستمعيه هامشاً للتحرك فيه حسب أوضاعهم التي يمروا بها، وقد يشير إلى أن هذه القواعد قد لا تصلح لكل زمان ومكان. أما الفائدة الأخرى للمنظرين، فهم غالباً ما يضعون هذه القواعد والنصائح بعد العديد من التجارب التي يخوضوها أو التي يطلعوا عليها بتفاصيلها،وليس بعد أول تجربة. وهذا سبب أساسي يدعونا لأن ننصح دائماً بالمستشارين المتخصصين في شتى المجالات قبل الضلوع بأي عمل، حتى لو كانت استشارتهم مأجورة، وفي مجال عملنا فننصح بالمستشارين المتخصصين في ريادة الأعمال، فخبراتهم المتراكمة عبر عدةمشاريع خاضوها واطلعوا عليها تسمح لهم بإعطائك نصائحَ وتوجيهات قد تغير جذرياً من مسارك الذي كنت ستسلكه مهدراً فيه وقتاً ومالاً بغير ضرورة. وهم بهذه الحالة يتميزون عن الشخص الذي تأخذ رأيه بمجرّد أنه جرب أو مرّ بما ستمر به لمرة واحدة.

الخلاصة؛ استشارتك لمن سبقك في رحلتك إلى النجاح هي أحد أبرز وأهم الخطوات التي عليك أن تتخذها لتسير بسرعة وفعّالية وكفاءة، لكن عليك أن تختار المستشار الصحيح، ذلك المضطلع بشكلٍ واسعٍ بتفاصيل ما ستُقدم عليه، وتقدّم له الصورةالكاملة عن حالتك، وأن تكون يقظاً إلى بعض التفاصيل التي قد تجعل منك"النجار" لا سمح الله. واستمع لأكثر من رأي وتجربة ما استطعت، خذ ماتحتاج إليه منها، استشر نفسك وحدسك ثم طبّق ما تجده أنفع لك.  

 

أحمد عدنان نعمة



معلومات اخرى